القرد المصري والقرد الشومبونجي
بقلم أسامة غريب جريدة المصري اليوم ٢٥/٩/٢٠٠٨
شاهدت إعلاناً تليفزيونياً شديد السماجة عن إحدي شركات المحمول التي قامتبتجديد شبكة إرسالها واستغنت عن الشبكة القديمة، ثم باعتها لبلد أفريقيمفترض هو جمهورية شومبونجو. ويقدم الإعلان سفير دولة شومبونجو وهو يشترطلإتمام عملية الشراء أن يحصل فوق البيعة علي القرد المتكلم!.
تتضح شطارة القرد المصري وفهلوته عندما يجلس في الطائرة مع السفير فيطريقهما للوطن الجديد عندما يوضح للرجل قواعد التعامل منذ البداية وتتلخصفي الحكمة الخالدة: عشّيني تلاقيني.
وبعد الوصول إلي جمهورية شومبونجو نلاحظ الفرق بين القرد المصري الذي لا يكف عن الكلام وبين القرد الشومبونجي الصامت.
وقد كشف الإعلان من حيث لم يقصد أسباباً كثيرة للخيبة التي ترفرف عليحياتنا منذ ٣٠ سنة، وأوضح دون أن يدري لماذا فشلت كل محاولات التغيير التياضطلع بها نفر من المصريين دون أن يكون لها تأثير. كذلك بين الإعلان لماذااحتمل المصريون كل أصناف العذاب التي لاقوها علي أيدي حكوماتهم الفاشلةالفاسدة دون أن يثوروا أو يغضبوا.
كنت أتساءل دوماً وأردد سؤال الدكتور جلال أمين: ماذا حدث للمصريين؟ وماالذي جعلهم بكل هذه البلادة.. لا يدفعهم الجوع إلي محاولة الحصول علي حقهمفي الطعام عنوة، ولا يدعوهم تدني مستوي التعليم والصحة والخدمات إليالثورة علي جبل الفساد المعشش فوقهم ومحاولة هدمه والإطاحة به؟
ولماذا ثاروا في السابق عندما كانت أحوالهم أفضل مما هي عليه الآن، وكيفخرجوا عام ٦٨ في مظاهرات عارمة بعد الأحكام الهزلية في قضية الطيران، وكيفخرجوا في مظاهرات ٧٢ يطالبون السادات بالحرب، وكيف لم يقبلوا الزيادةالطفيفة في الأسعار عام ٧٧ وكادوا يحرقون البلد فوق رؤوس حكامها لأن الأرززاد سعره تعريفة! ما الذي يجعلهم اليوم يرون ماء الحياة ينسحب من أجسادأولادهم ولا يحركون ساكناً،
وكيف تقع علي رؤوسهم الصخور الجبلية فتدك بيوتهم، وكيف يعانون من ذلالبطالة ويتحولون إلي شعب من المتسولين ينتظرون موائد الرحمن، كما ينتظرونأن يحن عليهم لص يقوم بسرقتهم ليل نهار فيمنحهم شققاً أمام كاميراتالتليفزيون، أو يتعطف عليهم قاتل فينشئ من أجلهم بنك العفاف..كيف يحدث لهمكل ذلك ولا يتحركون؟
الإجابة عرفتها فقط من إعلان القرد المتكلم. الكلام هو ضالة المصري يطلبهاأني وجدت. لا تحرمه من حق الكلام وافعل به ما شئت. سرطن طعامه وشرابه،لوّث ماءه ودواءه، خرّب تعليمه، حطم كبرياءه، اطلق عليه الكلاب المسعورة،اهدم بيته فوق رأسه، احرقه في القطارات، أغرقه في المراكب، أشعل النار فيمسارحه ومبانيه، اسفح دمه علي الأسفلت، اسرق فلوسه، سد باب الأمل أمامأولاده. افعل أي شيء وكل شيء لكن لا تحرمه من الحق في النباح.
لقد ثار الطلبة ضد عبد الناصر وثاروا ضد السادات، وخرج العمال في ١٨ و١٩يناير٧٧ وطالبوا بإصلاح الحال المايل لأن حرية النباح التي تقوم بتنفيسالغضب وتسريبه، تلك التي ينعم بها المصريون اليوم لم تكن موجودة آنذاك،لهذا لم يجدوا داعياً لاحتمال الظلم أو قبول أسبابه.
أما اليوم وفي وجود الصحف المستقلة والقنوات الفضائية فإنها أصبحت تقومبالفعل ذاته وصارت تعمل علي امتصاص الغضب واستيعاب الوعي ثم تسريبه فيالقنوات والبالوعات المفتوحة.
والأهم من التليفزيون والصحافة هو الاختراع الجهنمي الرهيب: التليفونالمحمول ورسائله القصيرة التي تصل في نفس لحظة إرسالها وتحمل أحدث النكتعلي الحكام وآخر أخبار الشائعات والفضائح.
ويبدو أن النبوءة أو المخطط الذي تحدث عنه «زبيجنيو بريجينسكي» مستشارالأمن القومي الأمريكي في عهد كارتر عندما تحدث منذ سنوات في جمع من كباررجال الأعمال وقال إن عالم القرن الواحد والعشرين لا يتسع لكل هؤلاء البشرالطامحين إلي العمل،
وأن الملايين سوف يتم إخراجهم بهدوء من سوق العمل وسيتم تقديم أشياء أخريبديلة لهم وهي «رضعات تسالي» تنسيهم البؤس والشقاء، وبشّر «بريجينسكي» بأنالأطباق اللاقطة ستنتشر علي ضفاف نهر الأمازون حتي ينام الناس في أكواخهمعلي صوت سيلين ديون.
و من الواضح أن المصريين قد وجدوا سعادتهم مع الدش وقنواته ومع النغماتوالرنات وأصبح غاية مناهم هو تحديث الموبايل كل فترة وأخري في ظل إلحاحشركات المحمول علي المواطن بأن يعيش أجمل ما في اللحظة حتي لو كان يعيشعلي جرف صخري قد يهوي به في أي وقت ويضيع جمال اللحظة!.. غير مهم. المهمهو أن يكون المحمول في جيبه والنغمات والرنات أنيسه وونيسه في الظلام وتحتالصخور،
ومهما كان الموت يقترب حثيثاً فإن بإمكان المصري أن يتحدث في المحمولويطلب النجدة التي لن تأتي.. غير مهم مجيء النجدة ورفع الأحجار، المهم أنهمات وفي حضنه الدش وفي جيبه المحمول.. وعاشت مصر وطناً للنغمات والرنّات
المصدر
http://www.almasry-alyoum.com/articl...3&IssueID=1174