اشترك في: 25 أكتوبر 2007, 19:32 مشاركات: 1849 مكان: المحروسة النوع: شـاب
|
دور المستهلك في إدارة الأزمة الاقتصاديةهناك حالان تستدعيان أن نتوقف عندهما بالنسبة لتوضيح العلاقة بين المستهلك والأزمة الاقتصادية، فهناك المستهلك الموسر والمستهلك المعسر، ولكن قبل الخوض في تفسير هذه العلاقة لابد من تعريف الإسراف والتبذير لما له من دور في توضيح تلك العلاقة· فلنبدأ بتعريف الإسراف لغة واصطلاحاً بالمعنيين الفقهي والاقتصادي· فالإسراف لغة: مصدر مشتق من الفعل أسرف، ومعناه جاوز الحد، وتُقال أسرف في ماله وأسرف في الكلام وأسرف في القتل، ويأتي ـ أسرف ـ بمعنى أخطأ وغفل وجهل، والإسراف هو مجاوزة الحد في كل قول أو فعل، وهو في الإنفاق أشهر(1)· أما الإسراف في الاصطلاح الفقهي فهو: تجاوز الحد في النفقة، وقيل: أن يأكل الرجل ما لا يحلُّ له، أو يأكل مما يحلُّ له فوق الاعتدال ومقدار الحاجة· وقيل: الإسراف تجاوز في الكمية، فهو جهل بمقادير الحقوق· ويأتي أيضاً بمعنى إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس·(2) ويسمَّى الإسراف في علم الاقتصاد الوضعي بالضياع الاقتصادي أو الفاقد الاقتصادي، وقد عرِّف ـ الضياع الاقتصادي ـ بأنه الإسراف في استخدام الموارد المتاحة، ومن مظاهره مثلاً: زيادة نسبة الفاقد من المواد عن النسبة المعتادة، أو تعطل بعض الموارد تعطيلاً جزئياً أو كلياً، أو المبالغة في الإنفاق على بعض بنود التكاليف بلا مبرر اقتصادي·(3) وننتقل بعد ذلك لتعريف التبذير لغة واصطلاحاً بالمعنى الفقهي دون الاقتصادي· فالتبذير في اللغة: هو مصدر مشتق من الفعل بذَّر· يقال: بذَّر المال: فرَّقه إسرافاً، وبذَّر فلاناً: جرَّبه، وتبذَّر الشيء انتشر وتفرّق·(4) أما التبذير اصطلاحاً بالمعنى الفقهي: فهو تفريق المال على وجه الإسراف(5)· ولم أعثر على تعريف للتبذير عند الاقتصاديين، ولعلهم يدرجونه ضمن مصطلح الضياع الاقتصادي أو الفاقد الاقتصادي· والسؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك يتمثل بما يلي: هل هناك فرق بين الإسراف والتبذير؟ وسبب طرح هذا السؤال يرجع إلى أن تعريف كل واحد منهما مشابه للآخر، بل ورد أن الإسراف هو التبذير، والأمر في حقيقته على خلاف ذلك، لأن بينهما فرقاً، وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، والتبذير صرفه فيما لا ينبغي(6)، ويمكن أن يستخلص مما تقدم أن الإسراف: هو إنفاق المال زائداً عن مقدار الحاجة، والتبذير: هو إنفاق المال فيما لا يحتاجه الإنسان أصلاً، وكلاهما ورد النهي عنهما، لما لهما من دور في إيجاد الإنسان لنفسه تحت آثار مفردات الأزمة الاقتصادية إن كان مسرفاً أو مبذّراً· ولقد تمثَّل جانب النهي عن الإسراف بقوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) الأعراف: 31،والآية قيَّدتها بعدم الإسراف في إشباعها، لأنها بذلك تخرج من إطار الحاجة إلى ما زاد عنها، وقال الإمام القرطبي عند تفسير هذه الآية: >وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين<: فقيل حرام وقيل مكروه·(7) أما جانب النهي عن التبذير، فإنه تمثّل بقوله تعالى: (ولا تبذر تبذيراً· إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً) الإسراء: 26 ـ 27· النهي يرجع إلى أن المبذرين يكتسبون الأموال من أبوابها المشروعة أو غير المشروعة ثم ينفقونها فيما حرَّم الله سبحانه وتعالى، كحال أولئك الذين يشبعون شهواتهم من الأبواب التي حرَّم الله سبحانه وتعالى إشباعها منها· ونختم هذه النقطة ببيان العلاقة بين كل من المستهلك الموسر والمستهلك المعسر من جهة، وبين الأزمة الاقتصادية من جهة أخرى، والتي يكون لكلٍّ من الإسراف والتبذير دور في توضيحها، فإذا كان المستهلك موسراً، ثم قام بتبديد ماله على وجه الإسراف والتبذير، فإنه سيصل بفعله هذا إلى مرحلة يعيش خلالها آثار مفردات الأزمة الاقتصادية، فتجنب الإسراف والتبذير بالنسبة لهذا المستهلك يعتبر عنصر وقاية من الوقوع تحت أعباء مفردات الأزمة الاقتصادية، أما إذا كان المستهلك معسراً، ثم قام بتبديد ما يصل إليه من مال ـ على الرغم من قلته ـ على وجه الإسراف والتبذير، فإنه سيزداد عسرة إلى عسرته، ويعيش بالتالي وهو يعاني من شدة وطأة آثار مفردات الأزمة الاقتصادية، والمطلوب منه في هذه الحال أن يتجنب الإسراف والتبذير، مما لهذا التجنب من أثر إيجابي يظهر من خلال حُسن إدارته لأزمته الاقتصادية بهدف التخلص من مفرداتها أو التخفيف منها·دور اقتصاد المستهلك في إنفاقه في إدارة الأزمة الاقتصاديةيعتبر مبدأ >الاقتصاد في الإنفاق< بنداً مهماً من بنود النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي يمكن أن يكون له دور أساسي في إدارة مفردات الأزمة الاقتصادية، بهدف التخفيف من آثارها أو التخلص منها· ولقد ذكر القرآن الكريم هذا المبدأ في قوله تعالى: (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) الفرقان:67، وجاء ذلك خلال بيانه لصفات المؤمنين، وهذا يعني أن الاقتصاد في الإنفاق صفة محمودة من صفات المؤمنين الصادقين· أما عن معنى هذا المبدأ >الاقتصادي في الإنفاق<، فلقد جاء خلال بيان المفسرين لمعنى هذه الآية· حيث قال الإمام الطبري فيها: >والذين إذا أنفقوا أموالهم لم يُسرفوا في إنفاقها<(8)، ثم فسر بعد ذلك المفردات الواردة في الآية، والمتمثلة بالنفقة والإسراف والإقتار بعد نقله للمعاني الواردة فيها، فقال: >ثم اختلف أهل التأويل في النفقة التي عناها الله سبحانه وتعالى في هذا الموضع، وما الإسراف فيها والإقتار؟، فقال بعضهم: الإسراف: ما كان من نفقة في معصية الله، وإن قلَّت، قال: وإياها عنى الله سبحانه وتعالى، وسماها إسرافاً، قالوا: والإقتار: المنع من حق الله تعالى· وقال آخرون: الإسراف هو أن تأكل مال غيرك بغير حق· وقال آخرون: السرف: المجاوزة في النفقة الحد، والإقتار: التقصير عن الذي لابد منه· والصواب من القول في ذلك، قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع: ما جاوز الحد الذي أباحه الله سبحانه وتعالى لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصَّر عما أمر الله سبحانه وتعالى به، والقوام بين ذلك·(9) ويفهم مما قاله الإمام الطبري ورجحه أن المراد بالنفقة في الآية يتمثل بنفقة الإنسان الشخصية على نفسه وعلى أهل بيته، وأن هناك حداً للنفقة، إن تجاوزه الإنسان كان مسرفاً، وإن قصَر عنه كان مقتراً، ولذلك لابد أن يكون قواماً في إنفاقه أي مقتصداً أو متوسطاً في ذلك، إذ القوام هو الاقتصاد، وبذا يظهر أن مبدأ >الاقتصاد في الإنفاق< مأخوذ من قوله تعالى: (وكان بين ذلك قواماً)· ولقد ذكر الحافظ والمفسر ابن كثير المعنى السابق نفسه للآية، ولكن بشكل مختصر فقال: >أي ليسوا بمبذرين في إنفاقهم، فيصرفون فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم فلا يكفونهم، بل عدلاً خياراً، وخير الأمور أوسطها، لا هذا ولا هذا<(10)، ففي قوله: >وخير الأمور أوسطها< إشارة إلى مبدأ >الاقتصاد في الإنفاق<· كذلك بيَّنت السنَّة النبوية هذا المبدأ، وذلك في الحديث الذي رواه >عبدالله بن مسعود< رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: >ما عال من اقتصد<(11)، قال الإمام السندي في تفسير الحديث: >أي ما افتقر من أنفق قصداً، ولم يجاوزه إلى الإسراف<· كذلك ورد ذكره ـ المبدأ ـ في الحديث الذي رواه سيدنا عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: >الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة<(12)، ومفهومه أن الذي يقتصد في إنفاقه لتأمين حاجاته الاستهلاكية يُخفف عن نفسه نصف تكاليف معيشته· أما عن العلاقة بين مبدأ الاقتصاد في الإنفاق وإدارة الأزمة الاقتصادية، فإنها تظهر من خلال بيان دور المستهلك المنفق الذي يكون إما موسراً وإما معسراً، ولكن قبل ذلك لابد من الإشارة إلى أن الإسلام اعتنى >بتدوير الثروة في المجتمع، وجعل للفقراء والمساكين نصيباً في أموال الأغنياء في جانب، وفي الجانب الآخر، أمر كل فرد من أفراد المجتمع بالاقتصاد في نفقاته، حتى لا يختل ـ بإفراط الأفراد أو تفريطهم في استعمال وسائلهم الاقتصادية ـ التوازن في توزيع الثروة<(13)· وبناء عليه، فإنه إذا كان المستهلك موسراً ـ أي غنياً ـ ثم قام بتطبيق مبدأ >الاقتصاد في النفقة<، فهذا يعني أن هناك قسماً من دخله سيدخل خانة الادخار، ثم يقوم بعد ذلك بإنفاق قسم منه على من يعاني من آثار مفردات الأزمة الاقتصادية كالفقراء والمساكين والمديونين، وبذا يظهر دور المستهلك الموسر في إدارة مفردات الأزمة الاقتصادية· أما المستهلك المعسر، وهو الذي يتساوى دخله مع نفقات استهلاكه، أو ربما يتجاوز دخله نفقات استهلاكه، ولكن بشكل يسير، فإنه عندما يطبِّق مبدأ الاقتصاد في الإنفاق بحيث يحافظ على نفسه من الوقوع تحت آثار مفردات الأزمة الاقتصادية، وإلا فإنه سيجد نفسه واقعاً تحت أعبائها في حال التخلي عن تطبيق ذلك المبدأ، الذي جاءت به نصوص الشريعة، وأرادت من خلاله إخبارنا >أنه لا ينبغي لرجل أن ينفق شيئاً إلا وهو ضمن حدود وسائله الاقتصادية: لا يحل له أن يجاوز الحد حتى تكون نفقاته أكثر من دخله، ثم يضطر إلى تكفف الناس، أو ينهب أموال غيره، أو يستقرض من الناس من دون حاجة حقيقية ثم لا يؤدي إليهم، أو يصرف في أداء دينه كل ما يملك من الوسائل الاقتصادية، ويدخل نفسه بأعماله وتصرفاته في زمرة الفقراء والمساكين<(14)، فإنه إن فعل ذلك سيجد نفسه تحت آثار مفردات الأزمة الاقتصادية، وإنه إن امتنع عن ذلك، وطبّق مبدأ الاقتصاد في الإنفاق، فإنه سيخفف من تلك الآثار عليه أو يتخلص منها، وهنا يظهر دوره في إدارة مفردات الأزمة الاقتصادية· الهوامش1 ـ المعجم الوسيط، ج1، ص 427· 2 ـ انظر: كتاب التعريفات للجرجاني ص 3ـ ـ 24 / معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء للدكتور نزيه حماد، ص 63· 3 ـ معجم المصطلحات الاقتصادية للدكتور أحمد زكي بدوي، ص 88· 4 ـ انظر: المعجم الوسيط، ج1، ص 45، أساس البلاغة للزمخشري، ص 33· 5 ـ انظر: كتاب التعريفات للجرجاني، ص 15، معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، ص 107، وقد نقل مؤلفه تعريف الإمام النووي للتبذير، وتمثّل بأنه >صرف المال في غير مصارفه المعروفة عند العقلاء<· 6 ـ ذكر الكرماني هذا الفرق، وذكره صاحب كتاب >القاموس الفقهي لغة واصطلاحاً لسعدي أبوجيب ص 170<· 7 ـ الجامع لأحكام القرآن، ج7، ص123· 8 ـ تفسير الطبري، ج5، ص 484· 9 ـ المرجع نفسه، ج5، ص 484 ـ 485· 10 ـ تفسير القرآن العظيم، ج3، ص 330· 11 ـ مسند الإمام أحمد، ج7، حديث رقم 4269، ص 302، قال محققو المسند: وإسناده ضعيف· 12 ـ رواه الطبراني في الأوسط، حديث رقم 278 (الكشاف الاقتصادي للأحاديث النبوية الشريفة لمحيي الدين عطية، ص 31)· 13 ـ أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة ومعضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام لأبي الأعلى المودودي، ص 144· 14 ـ المرجع السابق، ص 145· المصدر: مجلة الوعى الإسلامىhttp://alwaei.com/index.php
_________________
|
|